لماذا يأكل بعض الناس كثيرًا دون زيادة دهون؟ الأسباب الأهم
توجد لحظة تتكرر عند كثيرين: ترى شخصًا يأكل حصصًا كبيرة، يكرر الوجبة، يتناول حلويات بين الحين والآخر، ومع ذلك يظل نحيفًا أو ثابت الوزن. ثم تنظر إلى نفسك فتشعر أن أي زيادة بسيطة في الطعام تظهر سريعًا على شكل دهون. هنا يخرج السؤال الذي لا يرحم: لماذا يأكل بعض الناس كثيرًا دون زيادة دهون؟ وهل لديك “مشكلة” فعلًا أم أن الصورة التي تراها ليست كاملة؟
الإجابة ليست سحرًا ولا “حرقًا خارقًا” بالمعنى الشعبي. جسم الإنسان تحكمه قواعد ثابتة، لكن داخل هذه القواعد توجد فروق فردية ضخمة في: الإنفاق اليومي للطاقة، الحركة غير المقصودة، تكوين الجسم، الاستجابة الهرمونية، وحتى دقة تقدير كمية الطعام. وفي كثير من الحالات، الشخص الذي يبدو أنه “يأكل كثيرًا” لا يأكل كثيرًا كما تتخيل على مدار أسبوع كامل، أو أنه يحرق أكثر بكثير مما تتوقع دون أن يذهب إلى صالة رياضية أصلًا.
في هذا المقال ستفهم الصورة كاملة: ما الذي يجعل بعض الناس يأكلون أكثر دون زيادة دهون واضحة، ومتى تكون هذه الظاهرة طبيعية، ومتى تكون مجرد خدعة إدراك، وكيف تقيم وضعك عمليًا دون جلد للذات أو حلول متطرفة.
القاعدة التي لا تتغير: توازن الطاقة هو الأساس
قبل أي تفصيل، تحتاج قاعدة واحدة واضحة: الوزن يتأثر بـ توازن الطاقة Energy Balance (أي الفرق بين الطاقة التي تدخل جسمك من الطعام والطاقة التي يستهلكها جسمك يوميًا). إن زاد الداخل على الخارج لفترة كافية يحدث فائض السعرات Calorie Surplus (زيادة طاقة) ويميل الجسم لتخزين جزء منها، غالبًا في صورة دهون. وإن كان الخارج أعلى من الداخل يحدث عجز السعرات Calorie Deficit (نقص طاقة) ويميل الجسم لاستخدام المخزون.
هذه القاعدة لا تختفي لأن شخصًا يبدو نحيفًا. ما يحدث غالبًا واحد من أربعة سيناريوهات:
- الشخص يحرق طاقة أعلى بكثير يوميًا دون أن تلاحظ.
- الشخص لا يأكل “كثيرًا” فعليًا إذا حسبت المتوسط الأسبوعي.
- نوعية طعامه وتوزيعه يجعلان الشبع أعلى والسعرات أقل مما تتخيل.
- تكوين جسمه واستجابته الهرمونية تجعل توزيع الطاقة مختلفًا (بحدود ما تسمح به القاعدة).
إذن السؤال الحقيقي ليس “هل القاعدة غلط؟” بل: أين يختبئ الفرق؟ في الدخل أم في الإنفاق أم في كليهما؟
“يأكل كثيرًا” بالعين… لكن المتوسط الأسبوعي قد يقول شيئًا آخر
العين ترى لقطة، والجسم يعيش متوسطًا. كثير من الالتباس يأتي من مراقبة وجبة واحدة أو يوم واحد. قد ترى شخصًا يتناول عشاءً ضخمًا، لكنك لم ترَ أنه:
- أفطر إفطارًا صغيرًا جدًا أو لم يفطر أصلًا.
- تحرك كثيرًا خلال اليوم دون قصد.
- نام جيدًا فقلّت نوبات الجوع العشوائية.
- يأكل “نظيفًا” أغلب الأسبوع ثم يبالغ في يوم واحد.
أثر “التعويض” غير المقصود بعد الوجبة الكبيرة
بعض الناس لديهم تعويض تلقائي: بعد وجبة كبيرة، ينخفض جوعهم في اليوم التالي أو تتحسن قدرتهم على التوقف عند الشبع. وبالعكس، بعض الناس بعد وجبة كبيرة يصبحون أكثر رغبة في الأكل. هذا ليس حكمًا أخلاقيًا، بل اختلافات في الإشارات الداخلية للشبع والجوع، وفي العادات.
الفرق بين “كثرة الحجم” و“كثرة السعرات”
قد تبدو وجبة كبيرة بسبب الحجم، لكنها منخفضة نسبيًا في السعرات بسبب كثافة طاقتها. كثافة الطاقة تعني عدد السعرات في كل 100 غرام. طبق كبير من خضار وبروتين خالٍ نسبيًا من الدهون قد يبدو “جبلًا” لكنه أقل من شطيرة صغيرة مليئة بالدهون والصلصات. هذه نقطة ستعود كثيرًا؛ لأن مظهر الطعام يخدع بسهولة.
الإنفاق اليومي للطاقة: المكان الذي تختبئ فيه القصة غالبًا
أنت لا تحرق طاقة فقط في التمرين. معظم ما يحرقه جسمك يحدث وأنت تعيش حياتك العادية. لتفهم لماذا يأكل بعض الناس كثيرًا دون زيادة دهون تحتاج أن تفهم مكونات ما يسمى إجمالي الإنفاق اليومي للطاقة Total Daily Energy Expenditure (TDEE): وهو مجموع ما يصرفه جسمك خلال 24 ساعة.
جدول يوضح مكونات الإنفاق اليومي للطاقة (TDEE)
| المكوّن | التعريف المبسط | لماذا يختلف بين الناس؟ |
|---|---|---|
| معدل الأيض الأساسي Basal Metabolic Rate (BMR) | الطاقة التي يحتاجها جسمك للحفاظ على الحياة وأنت في راحة تامة | يتأثر بالكتلة الخالية من الدهون، العمر، بعض الهرمونات |
| الطاقة المصروفة في النشاط اليومي غير الرياضي Non-Exercise Activity Thermogenesis (NEAT) | الحركة اليومية غير المقصودة: الوقوف، المشي القصير، التنقل، التململ | فرق هائل بين الأشخاص، وقد يساوي أو يفوق التمرين |
| الطاقة المصروفة في التمرين Exercise Energy Expenditure | ما تحرقه في الجري/الحديد/الرياضات | يعتمد على نوع التمرين ومدته وشدته |
| التأثير الحراري للطعام Thermic Effect of Food (TEF) | طاقة يستخدمها الجسم لهضم وامتصاص الطعام | ترتفع عادة مع البروتين وتختلف مع نوع الغذاء |
معدل الأيض الأساسي (BMR): ليس أسطورة… لكنه ليس كل شيء
معدل الأيض الأساسي Basal Metabolic Rate (BMR) هو الحد الأدنى من الطاقة التي يصرفها جسمك ليبقى حيًا: تنفس، عمل القلب، نشاط المخ، حرارة الجسم… وهو أكبر جزء من الإنفاق اليومي عند كثير من الناس.
لماذا يختلف BMR بين شخصين “في نفس الوزن”؟
الوزن وحده لا يشرح كل شيء. ما يرفع BMR عادة هو الكتلة الخالية من الدهون (العضلات والأعضاء) أكثر من الدهون. أيضًا العمر يقلل BMR تدريجيًا، وبعض العوامل الهرمونية مثل هرمونات الغدة الدرقية قد تساهم. لذلك قد ترى شخصين متساويين في الوزن، لكن أحدهما عضلي أكثر ويتحرك أكثر فيحرق أكثر.
لماذا لا يكفي أن تقول “هذا الأيض عنده سريع”؟
لأن كثيرًا من الفرق الذي تنسبه للأيض هو في الحقيقة NEAT (الحركة اليومية) أو فرق في تقدير السعرات. نعم يوجد اختلاف في BMR، لكنه وحده نادرًا ما يفسر صورة “يأكل ضعفك ولا يزيد” دون وجود عوامل أخرى مساعدة.
الحركة اليومية غير المقصودة (NEAT): الفارق الذي لا تراه… لكنه يدفع الفاتورة
التوليد الحراري غير المرتبط بالتمرين Non-Exercise Activity Thermogenesis (NEAT) يعني ببساطة: كل سعرات تحرقها بسبب الحركة خارج التمرين المنظم. الوقوف بدل الجلوس، المشي داخل البيت، صعود الدرج، التحرك أثناء المكالمة، وحتى التململ الخفيف.
عندما تسأل: لماذا يأكل بعض الناس كثيرًا دون زيادة دهون؟ كثيرًا ما تكون الإجابة: لأنهم يتحركون أكثر بكثير دون أن يقرروا ذلك. بعض الناس لديهم “طبع” حركي: لا يثبتون طويلاً، يغيرون وضعيتهم، يذهبون ويعودون، ينهضون كثيرًا. وهذا قد يضيف فرقًا كبيرًا في الإنفاق اليومي عبر الأيام والأسابيع.
علامات تدل أنك أمام شخص NEAT لديه مرتفع
ليس اختبارًا رسميًا، لكنه يساعدك على الملاحظة:
- يقف ويتحرك أثناء الحديث غالبًا.
- يمشي كثيرًا داخل المنزل أو المكتب دون سبب واضح.
- لا يحب الجلوس الطويل، ويتوتر إذا حُبس في مكان.
- يفضل الدرج تلقائيًا، أو يركن بعيدًا دون أن يفكر.
جدول: كيف ترفع NEAT دون “تمرين” رسمي
| السلوك | كيف تطبقه عمليًا | لماذا يفيد؟ |
|---|---|---|
| فترات وقوف قصيرة | كل 30–60 دقيقة: قف 2–5 دقائق | يمنع ساعات الجلوس الصامتة |
| مشي بعد الوجبات | 10–15 دقيقة بعد الغداء أو العشاء | يضيف حركة ثابتة يوميًا |
| خطوات صغيرة داخل اليوم | مكالمة وأنت تمشي، تنقلات قصيرة | تجمعها يصنع فارقًا كبيرًا |
| ترتيب بسيط يومي | 10 دقائق ترتيب/تنظيف | حركة غير مرهقة لكنها مستمرة |
النقطة الأهم: أنت لا تحتاج أن تصبح “شخصًا لا يهدأ”، لكن تحتاج أن ترى أن الحركة اليومية ليست تفصيلًا. قد تكون هي الفرق بين ثبات الوزن وزيادته عند نفس كمية الطعام.
التمرين ليس دائمًا الحل السحري… لأن الجسم قد “يعوّض”
التمرين مفيد للصحة واللياقة وبناء العضلات، لكنه ليس دائمًا آلة حرق خطية. يوجد مفهوم مهم: عندما ترفع نشاطك كثيرًا، قد ينخفض إنفاقك في أجزاء أخرى من اليوم دون أن تشعر (تجلس أكثر، تتحرك أقل، تنام أكثر، تقل حركاتك الصغيرة). بعض النماذج البحثية تقترح أن الإنفاق اليومي “مقيد” جزئيًا عند بعض الأشخاص، بمعنى أن الجسم يعيد توزيع الطاقة بدل أن يزيدها بلا حدود.
هذا لا يعني أن التمرين بلا فائدة، بل يعني: إذا كنت تقارن نفسك بمن يأكل كثيرًا ولا يزيد، لا تفترض أن السبب هو أنه يتمرن ساعة يوميًا. قد يكون السبب أن حياته كلها حركة، أو أن تكوين جسمه مختلف.
التأثير الحراري للطعام (TEF): بعض الناس يحرقون جزءًا من وجبتهم أثناء هضمها
التأثير الحراري للطعام Thermic Effect of Food (TEF) هو الطاقة التي يستخدمها جسمك لهضم الطعام وامتصاصه ومعالجته. بمعنى آخر: ليس كل ما تأكله يتحول “صافياً” إلى طاقة متاحة؛ جزء منه يذهب كتكلفة معالجة.
عادةً:
- البروتين يملك TEF أعلى من الكربوهيدرات والدهون.
- الوجبات المختلطة لها TEF متوسط.
- نوعية الطعام (مصنع/غير مصنع، سائل/صلب) قد تؤثر على الشبع والسلوك الغذائي أكثر من TEF وحده.
لماذا يبدو أن بعض الناس “يأكلون كثيرًا” مع بروتين أعلى؟
إذا كان شخص يأكل حصصًا كبيرة من بروتين وخضار، فغالبًا:
- يشعر بالشبع أسرع.
- يستهلك سعرات أقل من وجبة مشابهة في الحجم لكن أعلى دهونًا وسكريات.
- يحرق جزءًا أكبر نسبيًا من السعرات كتكلفة هضم مقارنة بوجبة عالية الدهون.
جدول تقريبي شائع لتكلفة الهضم (TEF) حسب المغذيات الكبرى
| المغذي | TEF تقريبي كنسبة من طاقته | ماذا يعني لك عمليًا؟ |
|---|---|---|
| بروتين Protein | أعلى نسبيًا | يساعد الشبع وقد يزيد تكلفة الهضم |
| كربوهيدرات Carbohydrates | متوسط | لا يعتمد عليه وحده للشبع |
| دهون Fat | أقل نسبيًا | يسهل تراكم السعرات إذا زادت الكمية |
| كحول Alcohol | قد يكون مرتفعًا نسبيًا | ليس ميزة، وله تبعات صحية |
هذه النسب تقريبية وليست سببًا كافيًا وحده ليجعل شخصًا يأكل بلا حدود دون زيادة دهون. لكنها جزء من الصورة، خصوصًا عندما تتكرر يوميًا عبر سنوات.
شكل الطعام: السائل ليس كالصلب… وهذه نقطة تفسر مفارقات كثيرة
يوجد فرق عملي بين تناول السعرات في صورة سائلة وبين تناولها في صورة صلبة. كثيرون لا يشعرون بالشبع نفسه من المشروبات المحلاة أو العصائر مقارنة بطعام صلب بنفس السعرات. لذلك قد ترى شخصًا “يأكل كثيرًا” من طعام صلب مشبع لكنه لا يتجاوز سعراته كثيرًا، بينما شخص آخر يأكل أقل في الحجم لكنه يضيف مشروبات عالية السعرات فتزيد حصيلته الأسبوعية دون أن ينتبه.
مفارقة شائعة
- شخص (أ): يأكل طبقًا كبيرًا من طعام صلب، ثم يكتفي لساعات طويلة.
- شخص (ب): يأكل وجبة أصغر، لكن يشرب معها مشروبًا محلى، ثم يتناول قهوة محلاة، ثم “سناك” بسيط… وفي النهاية مجموع اليوم أعلى.
عندها يبدو لك (أ) كأنه يأكل أكثر، بينما (ب) يأكل “عاديًا”. لكن الواقع الحسابي قد يكون العكس.
أحجام الحصص: البيئة تدفعك للأكل أكثر… وبعض الناس يقاومون تلقائيًا
أحجام الحصص الكبيرة تزيد الاستهلاك عند كثير من الناس، وغالبًا دون أن يتغير الإحساس بالجوع بنفس المقدار. وهذه النقطة تفسر لماذا شخصين في نفس المطعم يمكن أن يخرجا بفارق كبير في السعرات رغم أن التجربة “تبدو” متشابهة.
ما يميز بعض الأشخاص الذين لا يزيدون دهونًا بسهولة ليس أنهم لا يتأثرون بحجم الحصة أبدًا، بل أنهم:
- يتوقفون عند شبع أوضح لديهم.
- لا يكملون الطعام لمجرد أنه أمامهم.
- يعوضون لاحقًا تلقائيًا دون قرار واعٍ.
إذا كنت أنت من نوع “إن وُضع الطعام أمامي أنهيه”، فهنا فرق سلوكي مهم، وليس حكمًا عليك.
التوزيع داخل الجسم: أين تذهب الطاقة بعد الأكل؟
ليس كل جسم يوزع الطاقة بنفس الطريقة. يوجد مفهوم مبسط: عندما تأكل، الجسم يقرر كيف يستخدم الطاقة: حركة، حرارة، بناء أنسجة، تخزين دهون. هذه القرارات تتأثر بالعديد من الإشارات، منها:
- كتلة العضلات.
- حساسية الإنسولين.
- نمط النشاط.
- النوم والتوتر.
- تاريخ الحميات القاسية.
حساسية الإنسولين (Insulin Sensitivity) بشكل مبسط
حساسية الإنسولين Insulin Sensitivity تعني مدى استجابة خلايا جسمك لهرمون الإنسولين لنقل السكر من الدم إلى الخلايا لاستخدامه. عندما تكون الحساسية جيدة، يميل الجسم لإدارة الكربوهيدرات بكفاءة أكبر. وعندما تكون منخفضة يحدث ما يسمى مقاومة الإنسولين Insulin Resistance وقد يتغير توزيع الطاقة والشهية عند بعض الناس.
من المهم أن تفهم: هذا لا يلغي توازن الطاقة، لكنه قد يغير “سهولة” الانضباط والشبع، وقد يغير كيف تشعر بالجوع بعد وجبة معينة.
الهرمونات التي تحرك الشهية: اللبتين والجريلين ليسا مجرد أسماء
يوجد هرمونات مهمة في تنظيم الجوع والشبع، أشهرها:
- اللبتين Leptin: يُفرز من الخلايا الدهنية ويرتبط بإشارات الشبع على المدى الطويل. تعريف مبسط: عندما ترتفع مخازن الدهون عادةً يفترض أن يرتفع اللبتين ليقل الجوع، لكن الاستجابة قد تختلف بين الناس.
- الجريلين Ghrelin: يرتبط بالجوع ويزداد قبل الوجبة غالبًا. تعريف مبسط: هو أحد إشارات “حان وقت الأكل”.
لماذا يهمك هذا في سؤال: لماذا يأكل بعض الناس كثيرًا دون زيادة دهون؟
لأن جزءًا من الفروق الفردية هو: من يشعر بالجوع أسرع؟ من يتشبع أسرع؟ من يستطيع التوقف عند حد مناسب دون صراع يومي؟ بعض الأشخاص لا “يتعذبون” مع الجوع مثل غيرهم، فيبدون وكأنهم يأكلون كثيرًا وقتما يريدون، لكنهم في الحقيقة لا يعيشون نفس ضغط الرغبة المستمر.
النوم: الزر الذي يعبث بالجوع أكثر مما تتخيل
النوم ليس رفاهية في موضوع الوزن. قلة النوم قد ترفع إشارات الجوع وتخفض إشارات الشبع لدى كثيرين، وتزيد قابلية اختيار أطعمة عالية الطاقة. لذلك قد ترى شخصًا ينام جيدًا فيأكل “بحجم كبير” لكنه لا يفتح ثلاجة البيت ليلًا. بينما آخر قليل النوم يشعر بجوع غير مفهوم ويبحث عن طعام سريع.
التوتر المزمن: عندما يصبح الطعام وسيلة تهدئة لا مجرد وقود
التوتر ليس مجرد شعور نفسي. لدى كثير من الناس، التوتر المزمن يرتبط بسلوك “الطعام المريح” وباختيارات أكثر كثافة في الطاقة. تعريف مبسط للتوتر المزمن هنا: ضغط مستمر يجعل الجسم والعقل في حالة استعداد عالية، وقد يدفعك لتسكين الحالة بأطعمة محببة وسريعة.
الأبحاث تقترح روابط بين التوتر والأكل وأنظمة المكافأة في الدماغ، مع دور لهرمونات مثل الكورتيزول. لكن من المهم أن تكون دقيقًا: العلاقة ليست قدرًا محتومًا عند كل شخص، والدليل في بعض التفاصيل غير محسوم لأن السلوك الإنساني معقد، ولأن التوتر قد يجعل بعض الناس يأكلون أقل أيضًا.
ماذا تفعل عمليًا دون مبالغة؟
- إذا لاحظت أن أكبر “حفرة سعرات” عندك تأتي بعد أيام الضغط: لا تبدأ بحمية أقسى. ابدأ بآلية تخفيف ضغط أو روتين ثابت لوجبة مشبعة بدل الاندفاع العشوائي.
- ابحث عن بدائل تهدئة غير غذائية: مشي خفيف، استحمام دافئ، كتابة سريعة، تنفس منظم. الفكرة ليست فلسفة، بل تقليل احتمالية تحول الطعام إلى زر إسكات يومي.
ميكروبيوم الأمعاء: هل يمكن أن يحصد بعض الناس طاقة أكثر من نفس الطعام؟
ميكروبيوم الأمعاء Gut Microbiome يعني مجتمع الكائنات الدقيقة التي تعيش في جهازك الهضمي. تعريف مبسط: هي “بيئة داخلية” قد تؤثر في الهضم وبعض الإشارات الأيضية.
يوجد أبحاث قوية تشير إلى أن تركيبة الميكروبيوم قد ترتبط باختلافات في استخراج الطاقة من الطعام وفي التمثيل الغذائي. لكن عند السؤال: لماذا يأكل بعض الناس كثيرًا دون زيادة دهون؟ هنا تحتاج دقة:
- جزء من الأدلة قوي في النماذج الحيوانية، ويظهر أن نقل ميكروبيوم معين قد يغير الميل لزيادة الدهون.
- في البشر، توجد ارتباطات وتجارب تشير إلى دور محتمل، لكن ترجمة ذلك إلى “سبب مباشر” عند كل فرد ما زالت مجالًا يتطور، لذلك الدليل في تفاصيل كثيرة غير محسوم.
الخلاصة العملية: لا تجعل الميكروبيوم شماعة تريحك من الحساب والسلوك. اعتبره عاملًا مساعدًا ضمن منظومة، واهتم بأساسيات تدعم صحة الأمعاء عمومًا: ألياف أكثر، أطعمة أقل معالجة، نوم أفضل، حركة يومية.
الدهون البنية (BAT): هل يوجد “فرن إضافي” عند بعض الناس؟
النسيج الدهني البني Brown Adipose Tissue (BAT) هو نوع من الدهون يختلف عن الدهون البيضاء التقليدية. تعريف مبسط: الدهون البنية تستطيع إنتاج حرارة أكثر، خصوصًا مع التعرض للبرد، وهي نشطة أكثر في بعض الظروف.
وجدت أبحاث أن الدهون البنية موجودة عند البالغين ويمكن تنشيطها، وأنها ترتبط بعوامل مثل العمر ومؤشر كتلة الجسم. لكن هل تفسر وحدها لماذا يأكل بعض الناس كثيرًا دون زيادة دهون؟ غالبًا لا وحدها. قد تكون جزءًا صغيرًا من الفروق عند بعض الأفراد، لكنها ليست بطاقة “كل ما تشاء” لمعظم الناس.
الوراثة: أنت لا تبدأ من نفس نقطة البداية… لكنك لست محكومًا
الوراثة تؤثر في الشهية، الميل للحركة، توزيع الدهون، وحتى الاستجابة للرياضة. وهذا قد يفسر جزءًا من شعور الظلم عندما تقارن نفسك بمن حولك. لكن النقطة المهمة: كثير من الأدلة تشير إلى أن نمط الحياة يمكنه تقليل تأثير بعض المخاطر الوراثية، خصوصًا عبر النشاط البدني.
لذلك النظرة الواقعية ليست: “إذن لا فائدة.” بل: “سأحتاج استراتيجية أدق من غيري.” وهذا فرق كبير.
التاريخ الغذائي: الحميات القاسية قد تجعل المعركة أصعب عند بعض الناس
إذا مررت بدورات متكررة من حميات قاسية ثم استرجاع وزن، قد تواجه شيئًا يسمى التوليد الحراري التكيفي Adaptive Thermogenesis: تعريف مبسط: انخفاض في الإنفاق الطاقي أكبر قليلًا مما تتوقعه من مجرد فقدان الوزن، وكأنه “مقاومة” من الجسم لفقدان إضافي.
هذا لا يعني أنك محكوم ببطء دائم، لكنه يعني أن:
- العودة للأكل الطبيعي بعد الحمية قد تؤدي لزيادة أسرع إن لم تُدار بحذر.
- تحتاج انتقالًا تدريجيًا، وبناء عادات حركة يومية، وتدرجًا في السعرات بدل القفزات.
وفي المقابل، الأشخاص الذين لم يدخلوا في هذه الدوامة كثيرًا قد يملكون هامشًا أكبر من السهولة، فيبدون وكأنهم يأكلون كثيرًا دون نتائج.
كيف تعرف سبب حالتك أنت تحديدًا؟ خطوات تقييم عملية بدون وهم
بدل أن تظل أسير المقارنة، استخدم خطوات بسيطة تعطيك صورة أقرب للواقع. لا تحتاج أجهزة معقدة. تحتاج أسبوعين من الصدق والتنظيم.
الخطوة 1: احسب واقع “الأكل كثيرًا”
لمدة 10–14 يومًا:
- سجّل كل ما تأكله وتشربه، بما في ذلك الإضافات الصغيرة (الزيوت، الصلصات، المكسرات، السكر في القهوة).
- زن بعض الأطعمة الأساسية في البداية لتتعلم العين.
- ركّز على المتوسط الأسبوعي، لا يوم واحد.
هذه الخطوة وحدها تكشف لك مفاجأة عند كثيرين: الفارق ليس في “الأكل الكثير”، بل في أشياء صغيرة تتكرر يوميًا.
الخطوة 2: راقب الحركة اليومية قبل أن تلوم الأيض
راقب عدد خطواتك أو وقت جلوسك. كثيرون يعتقدون أنهم “نشطاء” لأنهم يتمرنون 3 أيام أسبوعيًا، ثم يقضون بقية الأسبوع جلوسًا طويلًا. بينما الشخص الذي يبدو أنه يأكل كثيرًا قد يكون يتحرك طوال اليوم.
الخطوة 3: اسأل نفسك عن النوم والتوتر
- كم ساعة نوم حقيقية؟
- هل يوجد أكل ليلي متكرر؟
- هل أيام الضغط تُخرجك من السيطرة؟
لو كانت الإجابة “نعم”، فالمشكلة ليست نقص معلومات عن الطعام؛ المشكلة في بيئة داخلية تدفعك لاختيارات أعلى طاقة.
الخطوة 4: افصل بين هدفين: صحة أفضل أم وزن أقل؟
قد يكون هدفك الأساسي هو صحة وتكوين جسم، لا مجرد رقم على الميزان. بناء العضلات وتحسين اللياقة قد يجعل وزنك ثابتًا بينما شكل جسمك يتحسن. وهنا تقع مقارنة خاطئة: أنت تقارن نفسك بنحيف ثابت، بينما أنت تبني جسدًا أقوى.
حلول عملية حسب سيناريوك أنت
إذا كنت تكتسب دهونًا بسهولة (وتشعر أن الطعام “ينقلب” عليك سريعًا)
- اجعل البروتين ثابتًا في كل وجبة، لأن ثباته يساعد الشبع ويقلل الفوضى.
- زد الألياف والخضار لخفض كثافة الطاقة دون حرمان.
- اجعل الحركة اليومية هدفًا يوميًا ثابتًا، لا “حماسًا” متقطعًا.
- انتبه للسعرات السائلة: مشروبات محلاة، قهوة محلاة، عصائر… غالبًا هي العدو الصامت.
- لا تعتمد على التمرين لتعويض فوضى الطعام؛ استخدم التمرين لبناء جسد أفضل ودعم الصحة.
إذا كنت “نحيفًا يأكل كثيرًا” لكنك تريد زيادة عضلات لا دهون
هنا المفارقة معكوسة: قد تحتاج فائضًا منظمًا لا عشوائيًا.
- اختر زيادة سعرات صغيرة تدريجيًا بدل “أكل بلا حساب”.
- ركز على تدريب مقاومة منتظم، لأن فائضًا بلا تدريب قد يتحول إلى دهون مع الوقت.
- وزّع البروتين على اليوم بدل تكديسه في وجبة واحدة.
إذا كنت بين الاثنين وتريد الاستقرار
- اجعل لك “حدودًا مرنة”: 80% طعام مشبع قليل المعالجة، و20% مساحة اجتماعية دون جلد ذات.
- ثبّت روتين نوم معقول، لأنه يحميك من قرارات الجوع السيئة أكثر مما تظن.
أخطاء شائعة تُفسد الفهم وتزيد الإحباط
- الاعتماد على عينك لتقييم كمية طعام الآخرين. أنت لا ترى كل يومهم ولا ترى أسبوعهم.
- تقدير سعرات الوجبة بالمنظر: الحجم لا يساوي سعرات.
- مقارنة يوم بيوم بدل المتوسط الأسبوعي.
- اتهام الأيض فورًا وتجاهل الحركة اليومية والنوم.
- الدخول في حمية قاسية لأنك شعرت بالظلم؛ هذا غالبًا يجعل الارتداد أسوأ.
الخلاصة
سؤال لماذا يأكل بعض الناس كثيرًا دون زيادة دهون؟ له إجابة واقعية: ليس لأن قوانين الجسم لا تعمل، بل لأن الفروق بين الناس كبيرة في الإنفاق اليومي للطاقة والحركة غير المقصودة، وفي متوسط الأكل الأسبوعي، وفي تأثير نوع الطعام وشكله على الشبع، وفي الهرمونات والنوم والتوتر، وأحيانًا في التاريخ الغذائي والوراثة.
إذا أردت نتيجة مختلفة، لا تبدأ بالمقارنة ولا بالحرمان. ابدأ بقياس بسيط لأسبوعين: ماذا تأكل فعلًا؟ كم تتحرك فعلًا؟ كيف تنام فعلًا؟ ثم عدّل العامل الأكبر تأثيرًا عندك بدل مطاردة “سر” غير موجود.
إذا طبقت أسبوعين من المتابعة الصادقة، ثم كتبت ما لاحظته: هل كانت المشكلة في السعرات السائلة؟ أم في الوجبات الليلية؟ أم في قلة الحركة اليومية؟ شارك تجربتك أو سؤالك في التعليقات، واذكر: عمرك، طولك، وزنك، ونمط يومك، وسأساعدك بخطة عملية تناسب حالتك.